الدمام - المملكة العربية السعودية
في هدوء غرفتي الرتيب، عند الثانية صباحًا في إحدى الأيام من بوادر أغسطس، شردت كثيرا في العديد من الأفكار في وقت واحد. تنقلت بينهم في سرعة مشتتة ولم أستطع الخروج بشيء ملموس مما أفكر فيه بين يدي، أفكار متزاحمة تشغل كل زاوية في عقلي. أخذت كوبًا من القهوة وسحبت كتابًا، عازمًا على القراءة في الخارج، أملاً في استنشاق هواء مختلف عن هواء الغرفة التي بقيت ماكثا فيها طوال اليومين الماضيين. بشأن التشتت، نصحني بعض الأصدقاء بالتركيز على أبسط الأشياء لتمويه عقلي، ومن هنا، بدأت أتأمل كل ما يحيط بي: صوت غليان الماء، الأغنية الملائكية لبينك فلويد في الخلفية، حائطي الممتلئ بأوراق الملاحظات المهمة حتى لا تطير من بين الأفكار. فعلت ذلك دون وعي مني أنني عاجز عن التركيز على شيء منهم بعينه، وعندها أدركت أن محاولة الهروب من التشتت كانت تشتتًا بحد ذاته، فقد وجدت نفسي مشوشًا حتى في تأملي لتلك الأشياء.
خرجت وبمجرد أن فتحت الباب المؤدي إلى الشارع، تكثف بخار الماء المعبأ في الجو على نظارتي الباردة نسبيا من أثر برودة غرفتي. وتكونت طبقة ضبابية زادت من صعوبة الرؤية. خلعت النظارة، وفكرت في الأشكال الفيزيائية التي يمكن للماء أن يأخذها وأيها يفضل. وفي سيناريو خيالي، قررت نيابة عنه أنه يحب حالته السائلة. فهي بين البين من اتساع الكون عليه في حالته الغازية، وبين انحصار العالم عليه بصرامة في حالته الصلبة. وفي حالته السائلة تلك، يقضي معظم أوقاته. هكذا طوعت كل قوانين الطبيعة حتى تماشي فكري. وقتها كنت أرغب في إعطاء الأمور أكبر من حجمها وإضفاء طابع درامي على أبسط الأشياء.
ومن هنا شعرت بأن بخار الماء وجد غايته على نظارتي وكأنه أخيرا لقى راحته في حالته المفضلة، خلعتها وتأملته قليلا حتى سرعان ما اكتسبت النظارة حرارة الجو من جديد وشاهدته يعود بخارا كما كان. تلك حالة شاعرية مكثفة افتعلت لها مسرحا ونظمت كل فصولها حتى أقنع نفسي أنني والماء نلتقي في شيء ما وجدانيا، لكني بصعوبة بالغة أتتبع الفكرة حتى اكتمالها.
قلت لنفسي أن الماء هنا شعر بلحظات طمأنينة عابرة انتزعها خلسة من طبيعة الوجود في ظروفه الحالية. وأنه يشاركني التردد وعدم الاستقرار رغما عنه. يحاول دائما الرجوع لحالته المفضلة بانتهاز أي تغير في نسيج الحياة، حتى لو للحظات، وسرعان ما تسلبه الظروف شعور النشوة. كل هذا الأمر من تغيير في شكل بنيته لم يتخط بضع دقائق. ذلك أيضا يواسيني؛ فسرعة تردد الأفكار في عقلي، وعدم استقراري على تيمة موحدة أعرف نفسي من خلالها تشبه ما مرت به حبات المياة.
وصلت هنا في الكتابة وعدت من جديد أقرأ ما كتبت، فوجدت ذلك تشتتا أيضا، لكن دعنا من ذلك الشيء، فما شعرت به هو فرط تأويل لظاهرة طبيعية حدثت، لا الماء يفضل حالة عن حالة، ولا هو يواسيني بشيء.
على كل، نجحت في تتبع الفكرة حتى ولو بشكل صعب، وهذا جيد. لكن ذلك، وجهني لما أردده في باطني. حينما تشتد السبل بالعقل الإنساني يلجأ للحلم، للدين، أو للأسطورة ويعزي إلى أحد منهم أو جميعهم آلامه فقد يساعدوه في تفسير الأشياء العصية عليه أو حتى يقدموا له المواساة. فدائما ما يلجأ الإنسان إلى تفسير ما لا يدركه بما في حصيلته من إدراك، وإن عصى الأمر عن إدراكه فأجده يلجأ لما هو أكبر منه من قوى أسطورية، أو آلهة عليا تتحكم في كل مجريات الأمور. تلك الأشياء عصمت جزء كبير من الوجود الإنساني من انهياره الذاتي.
واستكمالا لما بدأته من درامية، أجد قوتي الخفية في مواجهة نفسي والعالم هي إضفاء المعني على أكثر الأشياء تجريدا وجمودا. قد بدأت ذلك منذ قرابة الخمس سنوات، أُلبس أكياس متطايرة في الجو رداء التوهان والضياع في الكون وأجدني أتحدث نيابة عنها، وعن رحلتها بين نهار وليل، أتحدث نيابة عن كلب ينبح، وأبدأ في تأويل حركة طفل رضيع. وأدرك أنني أعيد صناعة الأسطورة التي تعصمني من انهياري الذاتي، وأتذكر تساؤل فراس السواح عما إذا كانت تلك الأساطير تشف عن دوافع نفسيه ونوازع خافية باطنة وعن رغبة كامنة في اللاوعي عن تدمير الذات.