عبد المنعم رياض - القاهرة - مصر.

جو ليلي في بدايات البرودة، لكنه مازال يحتفظ ببعض مراسم الصيف، تغشى عليه رائحة ذرة مشوية مختلطة بصنان أسفل الكوبري الذي لا ينضب صيفا أو شتاء. يحمل الجو أيضا رذاذ الكد وعرق السعي وقلة استحمام المدينة لشهور. في بعض الأوقات تحمل نسمات الهواء صقيعا يلفح ما ظهر من جسمي لتمحي آثار الصيف مؤقتا، وسرعان ما يختلط به عادم السيارات المكتظة بالموقف الذي أنا بصدد بابه حتى أعود للبيت. قد ترتبط لدى البعض ذكرى بمكان أو شخص أو أغنية أو أي شئ آخر. لكن حين تتدخل الرائحة في موقف ما فإنها تكسبه بصمة خاصة، لا أظن أحدا ينسى رائحة مواقف السيارات في أوقات كهذه. علاوة على كل هذا، تدخل صوت منير لضيف بعض الدرامية على الحدث. تسلل لسمعي عن بعد من نصبة شاي أراها بعيدة. سمعته بعدما اختلط بضوضاء القاهرة وقتذاك يقول:

“لَفْو بينا… قالو لينا على المدينة… لما جينا… التقينا… كل شيء فيها ناسينا.”

ربما لم يعلم صاحب النصبة أنني قررت أن استمع لتلك الأغنية توا، ولسنوات بعدها عبر المحيطات.

على كل، تشهد القاهرة مشروعا جديدا للمواصلات يسمى “مواصلات مصر”. تتميز أوتوبيساته بنوافذ عريضة ومفتوحة على الشارع بشكل بانورامي. ركبت واحدا منهم وفتحت الستار لأشاهد عرضا من إخراج السائق. مر بكوبري قصر النيل في مشهد يكمل ما صنعته الرائحة مع الأغنية. ازدحم الطريق فاضطر السائق أن يقف فترة أمام إحدى العمارات التي، من الظاهر، بها إما دكتور أو مركز للأشعة والتحاليل. مازال العرض مستمرا من النافذة ومازالت الدراما في تزايد شيئا فشيئا. ظهر في الكادر ما يبدو عليه أنه ملهى ليلي متاخما لذلك المبنى. ربما تلك الزاوية-التي أرى بها المنظر من شباك الأتوبيس-سبق وأن تدرب عليها السائق، حتى راودني شعور أنه ممكن يكون مطبق على أفلام شاهين.

من تلك الزاوية رأيت رجلا عن قرب، يحمل مجموعة أوراق بها أشعة ظاهرة بلونها الرمادي الكئيب، يخرج من المبنى. بيد لي أنه شاب في آخر الثلاثينات تظهر عليه أعراض يوم سيئ. ربما أغلب الظن أنه لم يتزوج بعد، هكذا استنتجت من يديه الفارغتين من أي أمارات. بدت عليه أيضا أفكار متداخلة فاكتسب وجهه شكلا جامدا، أو هكذا أضفى أنا مزيدا من الدرامية على المشهد. كأن عقلي اتحد مع شاهين الأتوبيس وقرر أن يستكمل ما بدأه منير في الأغنية التي شغلها النصبجي في الموقف وبدأت تتكرر في مسمعي:

“القلق جوه العيون.. وشها له ألف لون.”

كأن المشهد كان ناقص المزيد من الدراما. التفت بوجهه المتخشب إلى الأشعة في يده ثم رمق السماء بعينيه وتنهد طويلا كأنما يلومها. ربما يريد أي أمارة من السماء نتيجة بحثه الدائم عنها. ربما فكر في وقع ما عرف على أصدقاءه، أهله، أو أنه فكر في نفسه وكيف سيهيئها لما هو قادم. تلفت يمينا ويسارا وثبت عينيه على رواد الملهى للحظات. وفي حركة لعن بها كل ما بداخله وتجرد عما ألزمته به الدنيا. تجاهل السماء التي للتو خذلته؛ أسند أوراقه إلى جانب الرصيف واتجه نحو الملهى ودخل. فكرت مليا فيما إذا كانت تلك الأوراق لا تخصه، وأنها تخص أبيه المريض أو أمه أو حتى أحد أخوته، لكنه حينما ترك الأوراق على الرصيف راودني شيئا بأنها تخصه وأنه قرر أن يغرق نفسه في إنكار ما عرفه كوسيلة دفاعية لمواجهة ما هو مقبل عليه.

بمحض الصدفة كنت أفكر في نجيب محفوظ قبل توقف الأتوبيس وعشقه للقاهرة اللعينة في أوقات مختلفة. احتفظت بما قلته حيث إن عاطفتي تجاه الزحام والروائح والبشر تجعلني متحيزا باتجاه ما، لا هو بالمؤيد ولا هو بالمعارض. كان نجيب يقول أنه يحب التمشية في شوارع القاهرة وتأمله للناس ومواقفهم. كان ذلك مصدر إلهام له وما يقدمه من أدب بحسب قوله. كان يوم ما شهدت ذلك الموقف أول مرة لمست فيها ما قصده نجيب عن قرب. لم يمر نجيب بهذا الموقف لكنه مر بالعديد مما يصف معظم ما في القاهرة. في “دنيا الله” تأكدنا من وجود زعبلاوي ولكن لا طريق محدد له، فقد عرفه المريد بعدما أفاق من سكره في خماره بعدما أخبره مديرها أن هناك رجلا جلس بجانبه ومسح على رأسه. فلما أفاق أدرك ما شعر به خلال غفوته من طمأنينة وأمان قد افتقدهما. ربما يجد الشاب زعبلاوي زماننا في الملهى الذي قد ناداه. ونذكر في فلسفة نجيب أنه “عندما تتكاثر المصائب يمحو بعضها بعضا وتحل بك سعادة جنونية غريبة المذاق. وتستطيع أن تضحك من قلب لم يعد يعرف الخوف.”